صديق الحسيني القنوجي البخاري
571
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل : معلوم خصائصه من الدوام ، وتمحض اللذة ، وقيل : معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب اللّه تعالى ، وقيل : هو المذكور في قوله بعده فَواكِهُ فإنه بدل من رزق أو هو فواكه ، وهذا هو الظاهر ؛ والفواكه جمع فاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها وخصص الفواكه بالذكر لأن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه كذا قيل والأولى أن يقال : إن تخصيصها بالذكر لأنها أطيب ما يأكلونه وألذ ما تشتهيه أنفسهم ، وقيل : إن الفواكه من أتباع سائر الأطعمة فذكرها يغني عن ذكر غيرها . وَهُمْ مُكْرَمُونَ في محل نصب على الحال أي : ولهم من اللّه عزّ وجلّ إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده وسماع كلامه ولقائه في الجنة أو مكرمون في نيل ثواب يصل إليهم من غير تعب وسؤال ، كما عليه رزق الدنيا . قرىء : مكرمون بتخفيف الراء وبتشديدها . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ قال عكرمة ومجاهد التقابل أنه لا ينظر بعضهم في قفا بعضهم تواصلا وتحاببا ، وقيل : إنها تدور بهم الأسرة كيف شاؤوا فلا يرى بعضهم قفا بعض ، قرأ الجمهور : سُرُرٍ بضم الراء وقرىء بفتحها ، وهي لغة بعض تميم قيل : على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد ، والسرير ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة وقيل : تدور بأهل المنزل الواحد واللّه أعلم . ذكره القرطبي . ثم ذكر سبحانه صفة أخرى لهم فقال : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مستأنفة جواب سؤال مقدر ، أو في محل نصب على الحال ، والكأس عند أهل اللغة ما كان من الزجاج ، وهو اسم شامل لكل إناء فيه الشراب ، فإن كان فارغا فليس بكأس ، وقد تسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله ، قال الشاعر : وكأسا شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها « 1 » وقال الضحاك والسدي : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، قال النحاس وحكى من يوثق به من أهل اللغة : أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر كأسا ، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح كما يقال للخوان إذا كان فيه طعام مائدة فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة . مِنْ مَعِينٍ صفة لكأس ، قال الزجاج : أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض ظاهرة تراها العيون ، والمعين : الماء الجاري وقوله بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ صفتان لكأس قال الزجاج : أي ذات لذة ، فحذف المضاف ويجوز أن يكون
--> ( 1 ) يروى البيت : وكأس شربت على لذّة * دهاق ترنّح من ذاقها والبيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( رنح ) ، وتاج العروس ( رنح ) .